ابن الجوزي

64

صيد الخاطر

22 - دواء لترقيق القلب تأملت أمر الدنيا والآخرة فوجدت حوادث الدنيا حسية طبيعية ، وحوادث الآخرة ايمانية يقينية . والحسيات أقوى جذبا لمن لم يقو علمه ويقينه . والحوادث إنما تبقى بكثرة أسبابها فمخالطة الناس ، ورؤية المستحسنات ، والتعرض بالملذوذات ، يقوي حوادث الحس . والعزلة والفكر ، والنظر في العلم يقوي حوادث الآخرة . ويبين هذا بأن الانسان إذا خرج يمشي في الأسواق ويبصر زينة الدنيا ، ثم دخل إلى المقابر فتفكر ورق قلبه ، فإنه يحس بين الحالتين فرقا بينا ، وسبب ذلك التعرض بأسباب الحوادث ، فعليك بالعزلة والذكر والنظر في العلم ، فان العزلة حمية والفكر والعلم أدوية . والدواء مع التخليط لا ينفع ، وقد تمكنت منك أخلاط المخالطة للخلق ، والتخليط في الافعال . فليس لك دواء إلا ما وصفت لك ، فأما إذا خالطت الخلق وتعرضت للشهوات ، ثم رمت صلاح القلب رمت الممتنع . 23 - في أن الممنوع مطلوب تأملت حرص النفس على ما منعت منه ، فرأيت حرصها يزيد على قدر قوة المنع ، ورأيت في الشرب الأول « 1 » أن آدم عليه السلام لما نهي عن الشجرة حرص عليها مع كثرة الأشجار المغنية عنها وفي الأمثال : المرء حريص على ما منع ، وتواق إلى ما لم ينل . ويقال : لو أمر الناس بالجوع لصبروا ، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه ، وقالوا ما نهينا عنه إلا لشيء . وقد قيل : أحب شيء إلى الانسان ما منعا فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين ، أحدهما : ان النفس لا تصبر على الحصر فإنه يكفي حصرها في البدن صورة فإذا حصرت في المعنى ( بمنع ) زاد طيشها ولهذا لو قعد الانسان في بيته شهرا لم يصعب عليه ، ولو قيل له : لا تخرج من بيتك يوما طال عليه . والثاني : انها يشق عليها الدخول تحت حكم ، ولهذا تستلذ الحرام ، ولا تكاد تستطيب المباح . ولذلك يسهل عليها التعبد على ما ترى وتؤثر ، لا على ما يؤثر « 2 » .

--> ( 1 ) الشرب جمع شارب كركب . ( 2 ) أي على ما ترى وتؤثر هي لا على ما يؤثر الشرع .